ابن العربي

185

أحكام القرآن

الأول - أنّ القرء اسم يقع على الحيض والطهر جميعا ، والمراد أحدهما ، فيجب إذا قعدت ثلاثة قروء ينطلق عليها هذا الاسم أن يصحّ لها قضاء التربّص . الثاني - أنّ الحكم يتعلّق بأوائل الأسماء - كما قلنا في الشفقين واللمسين والأبوين : إنّ الحكم يتعلّق بالشفق الأوّل ، والوضوء يجب باللّمس الأوّل قبل الوطء ، وإنّ الحجب يكون للأب الأول دون الثاني وهو الجدّ ؛ وهم مخالفون في ذلك كله ، وقد دللنا عليه أجمعه في موضعه . الثالث - أنه تعالى قال : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، فذكّره وأثبت الهاء في العدد ، فدلّ على أنه أراد الطهر المذكّر ، ولو أراد الحيضة المؤنثة لأسقط الهاء ، وقال : ثلاث قروء ؛ فإنّ الهاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتسقط في عدد المؤنث . الرابع - أنّ مطلق الأمر عندنا وعند أصحاب أبي حنيفة محمول على الفور ، ولا يكون ذلك إلّا على رأينا في أنّ القرء الطهر ؛ لأنه إنما يطلق في الطهر لا في الحيض ، فلو طلّق في الطهر ولم تعتدّ إلا بالحيض الآتي بعده لكان ذلك تراخيا عن الامتثال للأمر ؛ وهذه الوجوه وإن كانت قوية فإنها تفتح من الأسئلة أبوابا ربما عسر إغلاقها ، فأولى لكم التمسك بما تقدم . الفصل الثالث : قالوا : إذا جعلتم الأقراء الأطهار فقد تركتم نصّ الآية في جعلها ثلاثة ، لأنه لو طلّق في طهر لم يمسّها فيه قبل الحيض بليلة لكان عندكم قرءا معتدّا به وليس بعدد . قلنا له : أما إذا بلغنا لهذا المنتهى فالمسألة لنا ، ومأخذ القول في المسألة سهل ؛ لأن البعض في لسان العرب يطلق على الكلّ في إطلاق العدد ، وغيره لغة مشهورة عند العرب ، وقرآنا : قال اللّه تعالى « 1 » : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ، وهي عندنا وعندهم شوال وذو القعدة وبعض ذي الحجة ، فالمخالف إن راعى ظاهر العدد فمراعاة ظاهر حديث ابن عمر أولى . المسألة الثانية - هذه الآية عامة في كل مطلّقة ، لكن القرآن خصّ منها الآيسة والصغيرة في سورة الطلاق بالأشهر « 2 » ، وخصّ منها التي لم يدخل بها ؛ لقوله تعالى « 3 » : فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها . وعرضت ها هنا مسألة رابعة وهي الأمة ، فإنّ عدتها حيضتان ، خرجت بالإجماع .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 197 ( 2 ) يشير إلى الآية الرابعة من سورة الطلاق : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن . . . ( 3 ) سورة الأحزاب ، آية 49